أنا ما عاد أبي أعدي!

أضاءت الفكرة في البدء كإعلانٍ عن إجازةٍ مسروقة من الزمن جاءت كعرضٍ مُغرٍ بصوت نايف حمدان: ‏«أنا ما عاد أبي أعدي، حنّا نبي نشرب شاهي ونجلس ونسولف»

أضاءت الفكرة في البدء كإعلانٍ عن إجازةٍ مسروقة من الزمن فأشرقت في نفسي إشراقة الأمل، جاءت الفكرة كعرضٍ مُغرٍ بصوت نايف حمدان: ‏«أنا ما عاد أبي أعدي، حنّا نبي نشرب شاهي ونجلس ونسولف» بيد أنّ حُبِّب إلي من دنياكم القهوة، والشاي مشروبي الاحتياطي.

سبعةُ أيّامٍ خالية من الالتزامات، بعيدة عن الارتباطات، قريبة من صخب الأهل، نائية عن وعثاء العمل؛ فإن تسألني: ما الذي تذكرينه من آخر أربعة شهور؟ سأقول: الركض! كنتُ أركضُ حتّى إشعارٍ آخر…لا يستقرّ حالي، ولا يهنأ بالي، وألهثُ نهاية اليوم من أحداثهِ التي أثقلت كاهلي، أقتحمُ الخطر بركضي وأدفعني لأقصى طاقتي، أجرّبني في توريط نفسي، وحدود إمكانيّاتي؛ لأزيدُ من صلابتي، ويتمثّلني بيت المتنبي:

سبحان خالق نفسي كيف لذَّتُها
‏في ما النُّفوس تراهُ غايةَ الألَمِ

نعود ليوم الأحد الماضي ٦/٢٧ بعد ذهابي للعمل؛ داهمتني الحمّى في جسدي، ودبّ الألم في رأسي بلا إنذارٍ مُسبق؛ فزائِرتي ليسَ بها حياءً تزور حتى بعد انبلاج أسارير الفجر. أصبحتُ أسمعُ ولا أعي، أنظرُ ولا أبصر، أشاهد ولا أفقه في حالةٍ من حالات اللاوعي، وحرارتي من النوع الذي لا يمزح أبدًا؛ فإذا ارتفعت لا يوقفها سِوى عنان السماء؛ فاستأذنتُ فورًا لإجراء فحص "كورونا" لعلّه تمكّن مني!

"فقد تبين اصابتكم بفايروس كورونا المستجد Covid-19."

سحقًا! لقد نال مني بعد انقضاء سنتين من ظهوره، تعود بي الذاكرة إلى تدوينةٍ كتبتها بعنوان: يوم من الحجر المنزلي، ومنها أقتبس:

«كثيرةٌ هي النعم، التي عرفنا قيمتها -مؤخَّرًا- ونعوذ بك يا الله من زوالها. وأعرف يا الله بأنَّ في كلِّ أمرٍ، خيرًا لا نعرفه، حكمةٌ بالغةٌ نجهلها، أعرف يقينًا. لا شيء يحدث عبثًا. إنِّي أحاول جاهدةً التمسُّك بأيِّ ظنٍّ يُنقذني، فلا تردَّني خائبةً يا الله، وعاملنا بما أنتَ أهلٌ له.»

لا بأس.. بالرغم من التعب، والعناء؛ فلا مِرْية في ‏«أنَّ ما أصابَكَ لم يكن ليُخْطِئَكَ، وما أخطأكَ لم يكن ليُصِيبَكَ» وما أضيق العيش لولا اليقين، والحمد لله حمد الشاكرين.

الجانب الحسن

وكما أفعلُ دائمًا؛ ‏«في كلِّ أمرٍ أغنّي الجانِبَ الحَسَنا» حيث قرّرتُ استعادة لياقتي في القراءة بعدما أفقدني إيّاها العمل، وأعترفُ بأني قد قصَّرتُ للغاية في القراءة بالشهور الماضية.

وقفتُ أمام مكتبتي لاختيار كتابٍ يرافقني في الحجر، ويُبعد عنّي الضجر ووقع الاختيار على «دون كيخوته ت. عبد الرحمن البدوي.» الرواية الخالدة التي قالَ عنها ديستوفيسكي: «هذا كتاب عظيم ليس مثل الكتب التي يكتبونها الآن، إن أمثال هذه الكتب ترسل إلى البشرية كتابًا واحدًا كل بضع مئات السنين!»

لطالما أجلّتُ قراءتها لأسباب مجهولة، تكاد تكون معدومة؛ فأخذتُ نفسًا عميقًا وشرعتُ بها، وقد عزمتُ على إنهائها في أسبوعين بمعدل قراءة ٧٥ صفحة يوميًا؛ فدعواكم، وعند الختام ألقاكم، والسّلام.

سوانح سارة
سوانح سارة