طفلة التسع سنوات

مرحبًا جدِّي
اعذر تقصيري، وجهلي في أمرك…لا أعلم إن كانت أدعية تلك الطفلة تصل إليك، ولا أدري إن كنت تعلم بأنها تحملك في ذاكرتها، وتشتاق إليك.. أذكرُ هذه الطفلة وهي تبلغ من العمر تسع سنوات تركض وتمرح في عزائك، وتضحك وتلعب، وتتساءل: ما بال العيون منها الدمع ينسكب؟ وما بال الوجوه يغشاها الحزن؟ ثم لماذا المنزل مُكتظّ بالنّاسِ؟ وأين جدِّي؟ فيقولون: سترينه في التلفاز بالمسجد الحرام! وإذ بالدقيقة الثانية تنسى كل تلك التساؤلات، وتمرح مجددًا…لم تُدرك بعقلها الصغير وإدراكها الضعيف بأنها لن تراك مرّةً أخرى، وأنك لن تقف بوجه والدها دفاعًا عنها، وبأنها لن تمدّ السفرة إليك وتُزيّنها وتشاركك الفطور، ولن تلاعبها وتضحك معها…لفرط جهلها اقترحت على أقرانها اللعب سَوِيًّا في أول يومٍ يبكيك فيه من يُحبُّك يا جدِّي!
مرّت الثلاثة أيام، ثم الشهور، وتتابعت السنين وكبرت تلك الطفلة حتى بلغت من العمر عشرين، وقد علمت بحقيقة رحيلك، وفاجعة موتك…لا تذكر كيف علمت، وبأي سنةٍ كانت؟ وكيف حتى تقبّلت ذلك؛ بل لا تدري كيف تجاوزت رحيلك، أهو مع السنين أم أنها لم تتجاوزه؟! لكنّها لم تنسَ أين جلست في أول يوم عزاء لك…نعم، على كرسي لونه يُستخدم للتحذير، والإنذار والتنبيه عَدا أنه لم ينذرنا بذهابك، لنحسن توديعك.
في ذلك الوقت لم أفهم ماذا يعني بأنك "توفيت" على أملٍ أني سأجدك في الصالة حيث كنتَ دائمًا؛ فلم أجزع لفقدانك، ولم أبكيك ثلاثة أيّام حتّى تفاقمت هذه الأيّام، وأصبحت عمري. فحين أدركتُ حقيقة موتك بكيتك يا طاهر المظهر والمخبر، وما نسيتك من دعاءٍ، وأعذتُ وجهك أن تنساه ذاكرتي متمسّكة بملامح وجهك الطاهر، مُتشبّثة بلحيةٍ يكسوها البياض، ومن فرط خوفي أن تتلاشى ذكراك مع تعاقب السنين؛ تمسّكتُ بالكتب التي تركتها، وقد أنساني الزمن رائحتك لكنّي أشعرُ بها في كتبك…أأخبرك سرًّا يا جدي؟ تلك الطفلة أدركت رحيلك حين قرأت كتاب من كتبك فوصلتْ إلى صفحةٍ استخدمتَ بها "منديل" وضعته فاصلًا لكي تذكر أين توقفتَ، ففاضت عينها بالدمع على الخدَّينِ حين أدركت بأنها ستُكمل ذلك عنك يا جدِّي.
