الله يسمعني!
كلنا نعلم عِلم اليقين بأنّ الله يسمعنا، لكن.. هل سبق، وشعرت بذلك؟ الإحساس به مختلف، لا يُضاهيه شيئًا أبدًا.

كلنا نعلم عِلم اليقين بأنّ الله يسمعنا، لكن.. هل سبق، وشعرت بذلك؟ الإحساس به مختلف، لا يُضاهيه شيئًا أبدًا. أعرفُ بأنّ الله يسمع حديثي مع نفسي، دائمًا. لكن ما شعرتُ به، إلى… تيك اللَّيلة!
٣ شعبان / ١٤٣٩ هـ
قضيتُ مع عائلتي عطلة نهاية الأسبوع في مصر، وقرّرنا زيارة منطقة الحسين؛ مشهورة بكثرة السرِقة، وسمعتُ الكثير من القصص حتى صار هاجسي، وخوفي أن يباغتني أحد فيسرق هاتفي! ليتَ هالأحد أخبرني بأنّي لستُ محور الكون، ولا معي شيئًا ثمينًا سِوى هاتفي المُدّون في ملاحظاته: واحد بيق ماك، واثنين ماك تشيكن.
الجوّ لطيف، نسمات من الهواء البارد تلُّفنا من كلِّ جهةٍ، نسير خفافًا غيرَ ثقالٍ، يقول لنا أحدهم: "تفضلوا يا قدعان قهوة مُطلّة على النيل" كُدتُ أصدّق -لوهلة- بأنها على النيل، لا أزقّة الحيّ؛ لشدّة إصرار كذبته.
أردتُ تعديل حجابي، وأعاقني هاتفي الذي أحمله بيدي؛ فاليد الواحدة لا تُصفِّق، ولا تعدّل حجاب! ومُحال تركه في جيبي، أو حقيبتي؛ فقد يسرقه -وأنا لا أشعر- لصٌّ مُتمرِّس يَده خفيفة.. طلبتُ من أختي أخذه ريثما أعدّله، ولم تُلقِ لي بالًا فهي مشغولة بسماع أحلام الصَّغيرات بالحيّ: "عارفة عاوزة أعمل إيه لمّا أكبر؟ تردّ عليها رفيقتها: آه دكتورة، دنتي ما بتعرفيش تدخلي الإبرة يا خايبة. فتُجيبها: أمّال أنتِ اللي عارفة يعني. فتقول: طيب أنا ما قلتش عاوزة أصير دكتورة." وأعرفُ بأنّ لا يسعنا فعل أي شيء حيالهن سِوى الإنصات لأحلامهن البريئة…
هدأت، ووضعته في جيبي.. عدّلته في ثوانٍ، وأكملتُ السَيْر خلف الركب لكن ثمَّة صوت يناديني من الخلف، ولا أعلم ماهيته؛ أطرافي تسمَّرت، وأنفاسي تحشْرجت! أقول في نفسي: يُريد خطفي، أو سرقتي.. لالا، حتمًا سينصب كمينًا لي. لكن كيف أمام الملأ؟ لا أدري، لعلّه ماهر للغاية… سحقًا!
"الموبااااايل الموباااايل بتاعك الموبااااايل"
دقيقة إدراك بعد اتِّضاح معالم الصَّوت.. ثُمَّ التفتُّ إلى الخلف أسرَع من الماءِ إلى مقرّه؛ فوصلتُ لصاحب الصَّوت على دراجته، وخلفه زوجه، ومعهما هاتفي الذي كان ساقطًا بالأرض، جاهزًا للصوص يدعوهم إلى سرقته، مُقدَّم لهم كهديّة!
إلى الآن أحاول تذكّر تيك اللَّحظة بدقّة.. كيف إنزلق من جيبي، ولم أشعر بسقوطه؟ ماذا كُنت أفعل، وكيف لم أتفقّده؟ وأحاول أجد جوابًا غير "لا أدري" يمحي علامات الاسْتِفهام! شاء الله -جلّ جلاله- أن ينتبه لهاتفي من يخافه، ويخشاه؛ فلحقوا بي رغم الزحمة، ومع إهمالي لتلبيّة ندائهم… أخذته من بين أيديهم الكريمة، وقالوا لي -بوجوهٍ حَفِظت الأمانة-: "خدي بالك يا بنتي ما يصحّش كده" وذهبوا! تصلَّب لساني، وجفَّت شَفَتاي، رحلوا بدراجتهم سريعًا دون انتظار الجَزاء ولا الثَناء، وكأنَّهم ما أنقذوا حياتي!
لا شكّ بأن الدُّنيا بخير ما دام بيننا أمثال هؤلاء الأنقياء، أخلاقهم أبهَى من النَضير، وأرواحهم أخفّ من النَّسيم… لا ينتظرون مقابل لفعلِ الخير، ويُلزمهم على ذلك طيبهم، وأصلهم.
كانت لحظة مُميزة، عظيمة!
تلهّب جمرُ الخوف بقلبي، وأطفاه ماء اليقينُ بوعد ربّي، وما ذكرتُ بتيك اللَّحظة سِوى حديثي مع نفسي؛ حين راودتني الشكوك، والمخاوف.. خجلتُ منها، وامتلأتْ عيني بالدموع، ولا بدَّ للملآن أن يفيض.. صحيحٌ بأنّي خشيتُ ضياع هاتفي، وفقدان كلّ ما أملك به؛ لكن ما أثَّر بي، وأخذَ بشغاف قلبي شعوري بأنَّ الله يسمعني! فقد سمعني حين كنتُ خائفة، وحائرة.. يلعب بي الهاجس، ويُقلبني الشك يمنةً ويسرة، وهذي كانت إجابته -جلّ جلاله- لي.
وأخيرًا: نحن في معيّة الله -تبارك وتعالى- ورحمته؛ فابحثوا عن إجابات الله في حياتكم، والسّلام.
