النجاة باليأس عند اشتداد البأس

أثمن ما قد تهبه لنفسك؛ السماح لها باليأس‏ من الآمال، والتعلّق بالمحال، والتشبث بحبل الوصال؛ فكما ننجو بالأمل؛ ففي اليأس ما يُنجي، ويُعزّ من ذُلِّ المطامع.

أثمن ما قد تهبه لنفسك؛ السماح لها باليأس‏ من الآمال، والتعلّق بالمحال، والتشبث بحبل الوصال؛ فكما ننجو بالأمل؛ ففي اليأس ما يُنجي، ويُعزّ من ذُلِّ المطامع.

تنصب لنا الدنيا حبائل ملذّاتها؛ فما أن تصطادنا مرّة حتى تشد وثاقها علينا؛ لنتوغّل في متعها مرّات، ومرّات؛ فتطيب لنا نجوى الأماني، وتحلو لدينا الحياة بالآمالِ.. على أنه لا بُدَّ من لذعِ مرارةٍ تهبُّ في عزِّ أملنا حتّى جمر الفؤاد يؤجُّ أجًّا؛ فتوقظنا من غفلتنا، وتقضّ مضجعنا؛ فإن أردنا الفِرار بصرم ما تشبّث بنا من الدنيا وملذّاتها وناسها، وأهوائها، ورغباتها، ومناصبها، وشهاداتها؛ عجزت عن بترها أيدينا؛ فتطرحنا أرضا، وتوهننا عزمًا؛ فلا شيء هَهُنا أشفى للنفوس من اليأس، نلوذ من حبلٍ سحيلٍ لِياذ اليائس إلى حبلِ الله عز وجلّ المُبرَم؛ يائسون، تائبون، عابدون، ساجدون لربنا حامدون؛ فنحن على سفرٍ دائم، وإن توهمنا الاستقرار.

قال سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-:
‏«يا بنيّ، عليك باليأس؛ فإنك لم تيأس من شيءٍ إلا أغناك الله عنه»

لطالما نجوتُ ببوادر يأسي من دار الفناء إذ تعرج بي إلى دليل موطني في دارِ البقاء؛ فأعرفُ الله أكثر بالافتقار إليه، بفراري من ضعفي وضالتي إلى قوّته وهدايته، بضيق يأسي إلى رحاب رجائه، بتسليم أمري ‏«بيقينٍ أنّ خيرتهُ خيرٌ لقلبي ممّا يشتهي قلبي» فكلّما سارت بي الدنيا على ظهرِ ركبها تموج بي حيث تريد حتى أزهدُ فيما رغبت، وأقنعُ بما أوتيت، ومن الغنيمة بالإياب رضيت؛ فتسكن النفس تحت مجاري الأحكام، وأقطعُ طريقي إلى الله بقلبي لا بقدمي، وبلذّةٍ لم يذقها؛ إلّا اليائسون، وهذه إحدى هدايا اليأس الخفيّة، ولإدراك هدفه، ولذّة غايته؛ وقراءة رسالته؛ عليك أن تصدق به.

نبّهت ياسمين مجاهد في كتابها ‏«استرجع قلبك» إلى مقصدٍ عظيم تهدف إليه عبادة الصلاة وأحبُّ ألّا يفوتكم:

«يتوجب علينا الابتعاد عن الدنيا خمس مرّات يوميًا؛ للتركيز على خالقنا، وغرضنا السامي. خمس مرّات يوميًا، ننتزع أنفسنا من كل ما نمارسه في حياتنا اليومية، ونتوجه إلى الله، كان من الممكن أن تفرض علينا الصلاة مرة واحدة في اليوم أو الأسبوع، أو أن تقام الصلوات الخمس في وقت واحد من اليوم، لكنها ليست كذلك؛ فالصلوات موزعة طوال اليوم؛ فإذا أقام الشخص الصلوات في أوقاتها المحددة المعلومة؛ فلن تتاح له فرصة للتعلق؛ فحالما نبدأ بالانغماس في الأمور الدنيوية؛ العمل الذي نزاوله، أو البرنامج الذي نشاهده، أو الامتحان الذي نعد له، أو الشخص الذي يشغل بالنا، نجبر على الانفصال عن كل ذلك، وتوجيه انتباهنا إلى من هو أحقّ بالتعلق»

وهذا الكتاب قد اختارني في الفترة الماضية، أقولُ اختارني؛ لأنه جاء في وقته المناسب، مُحمَّلٌ إلي برسالةٍ سامية، مفادها التحرير الداخلي، أن تُحرِّر قلبك لله من كلِّ شيء شأنه أن يتحكّم به، وكل التفاتة تأخذ شعبة منه، وكل استحواذ يصل به إلى حدّ التعلّق، ومرحلة التخلّي عن شيءٍ مُتعلّق به القلب يكاد يكون من أصعب الجهاد؛ فالامتحانات في ازدياد، لكنّه جوهر التوحيد، ومبلغ الإيمان؛ فعليك أن تُحسن اختيار العتاد، الذي يوفّق له خير العباد.

في كتابه «اقتضاء العلم العمل» يقول الخطيب البغدادي:
«بالحكمة تفهم الزهد وتوفّق له، وبالزهد تترك الدنيا، وبترك الدنيا ترغب في الآخرة، وبالرغبة في الآخرة تنال رضى الله عز وجل»

ولذا، علينا أن نخلد إلى اليأس؛ لنتعلّم أن نترك ولو كنا نقدر على أن نُدرك.. فهنا الشاهد المصيري؛ للباعث الحقيقي، عند تمكّن الفرصة.. فنُعرض عن لذّتها، ونحن نقدر:
«عَففتُ وقد قَدرتُ وليس شيءٌ
بأجمل مِن عفافِ القادرينا»
فإن أدركنا كلّما أردنا، واشترينا كلّما اشتهينا، وعصينا كلّما خلونا، وركضنا كلّما رغبنا، ولبّينا كلّما طلبنا؛ فقد لففنا حولنا هذا الشرك، وقيّدنا أرواحنا، ونحن الذين حرّرنا الله! فمتى عتقت نفسك من عبودية الهوى، وقيود ما حوى، ووجّهت وجهك نحو الله ورغائبك؛ تحرّرت بعبوديته جلّ جلاله من عبودية كلّ شيءٍ سواه؛ فبيدك القرار، وعليك الاختيار؛ فأنت عَبدٌ على كلِّ حالٍ، ولكن لمن؟

بعد اضمحلال أمله، واستفراغ جهده وُفِّق إسماعيل بن القاسم لفهم الزهد فقال:
«قطّعتُ منك حبائلَ الآمالِ
‏وحطَطْتُ عن ظهر الـمَطيّ رحالي
‏فوجدت بردَ اليأسِ بين جوانحي
‏وأَرَحتُ من حلّ ومن تَرحالِ»

نعم، علينا أن نخلد إلى اليأس؛ كلّما اشتدت سطوة هوى النفس، فَغِلب حب اتّباعها طاعة الله؛ فتعلّلنا بآمال الدنيا، وتعلّقنا بملذّاتها ونعيمها الزائل؛ فانشغلنا عن غايةِ الآخرة، ونعيمها الدائم.. علينا أن نخلد إلى اليأس؛ لنُرسِّخ في نفوسنا بأنَّ الله الغاية؛ لا الوسيلة، بل نتعامل مع الدنيا وما فيها كوسيلة، علينا أن نخلد إلى اليأس؛ لنعيد كل شيء إلى موضعه الذي يستحقه؛ فلا نخفض الجليل، ولا نرفع الضئيل.. علينا أن نخلد إلى اليأس؛ لنفرغ إناء قلوبنا من كلِّ محبوبٍ سِوى الله، ونملأها بمحبّته -الإفراغ لا يعني ألّا تحب-؛ بل تنقية المحبّة من شوائب الهوى؛ فتحب في الله، وتعيش لله حتّى لا تتعلّق بغيره، والسر هَهُنا يكمن في تعظيمك لمحبّة الله في قلبك؛ لأن خلف هذا التعظيم قوّة خفيّة تُمكِّنك من إشاحة وجهك عن كلِّ مالا يرتضيه الله، وهي قوّة إلهيّة.. ليست بجد العبد واجتهاده؛ بل نيّته الصادقة، وسريرته الخالصة لوجهه سبحانه.

سوانح سارة
سوانح سارة

النجاة باليأس عند اشتداد البأس