تأمّلات في غزوة مؤتة

وأنا أقرأ في سيرة نبينا وحبيبنا محمّد ﷺ توقفتُ عند غزوة مؤتة، فتذكرتُ في ثاني سنة بالجامعة حين درستُ مقرر (أدب الدعوة الإسلامي) وكان من ضمن الدروس (شعر المغازي والفتوحات) فكان نصيبنا منه (غزوة مؤتة) ومن حسن حظنا أن درستنا دكتورة شرحت لنا بعذوبة لفظها، وعمق معانيها، وحسن تصويرها الغزوة، وأنا الآن في السنة الرابعة وما زلتُ أتذكرها كما لو أنها كانت بالأمس؛ لعظم أثرها. فأطلتُ النظر حتى تأثرت، وتأثرتُ حتى فاض بي الدمع، ووالله إني لأعجبُ مرة، وأضحكُ ثانية، وأبكي ثالثة...
مؤتة هي قرية صغيرة من قرى بلقاء الشام.. وقد بعث رسول الله ﷺ الحارثَ بن عُمير الأزدي بكتابه لعظيم بصرى، واعترضه في الطريق شرحبيل بن عمرو الغساني فأوثقه ثم ضرب عنقه.. انتهى الخبر لمسامع النبي ﷺ فاشتدّ ذلك عليه، وغضب.. كيف يُقتل سفيرًا آمنًا لم يستعد للقتال، ولم يذهب للقتال؛ بل لأجل أن يوصل رسالة النبي؟ وجهز الرسول ﷺ جيشًا من ثلاثة آلاف مقاتل؛ للخروج إلى قتال الروم، وكان ذلك في سنة ثمان للهجرة.
استعد الجيش، وجهز العدّة والعتاد، وعيّن الرسول ﷺ أميرًا لجيشه وهو زيد بن حارثة، ثم قال: "إن أُصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أُصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس" وأمرهم ﷺ أن يأتوا مقتل الحارثَ بن عُمير، وأن يدعو للإسلام فإن أجابوا لا، فلسيتعينوا عليهم بالله ويقاتلوهم.
ثم مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام فبلغهم أن هرقل بمآب في مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة، فلمّا بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ نخبره بعدد عدونا؛ فإما أن يمدّنا بالرجال، وإمّا أن يأمرنا بأمره فنمضي له. فعارض عبد الله بن رواحة، وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوةٍ ولا كثرةٍ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به! فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين. فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة.
يا الله! يتساءلون كيف لنا أن نتصدى لمئتي ألف؟ ولكن ابن رواحة يُشجعهم بعظمة هذا الدين، وقوّته، يُذكرهم بأن مهما عظمَ المطلوبُ فاللهُ أعظمُ، ويطمئنهم بما عند الله من جزاءٍ للمجاهدين، فستلقون الذي خرجتم تطلبون، الشهادة في سبيل الله.
ولعبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- مواقف تستحق التأمّل..
-الموقف الأول-
لمّا حضر خروجهم، وودّع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلموا عليهم، فلمّا ودّع عبد الله بن رواحة مع من ودّع وبكى، قالوا: ما يُبكيك يابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكنّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ آيةً من كتاب الله يذكر فيها النار: (وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا) فلستُ أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردّكم إلينا صالحين. فأنشد عبد الله شعرًا:
لكنني أسألُ الرحمنَ مغفرةً
وضربةً ذاتَ فرعٍ تَقذِفُ الزَبَدا
أو طعنةً بيدي حرّانَ مُجهِزَةً
بحربةٍ تُنفِذُ الأحشاءَ والكبِدا
حتى يُقالَ إِذا مَرّوا على جَدَثي
أرشدَهُ الله من غازٍ وقد رَشَدا
هكذا ودّعهم عبد الله بن رواحة! تأمّلتُ كثيرًا الهيئة التي أراد أن يموتها.. لا يريد موتة عاديّة، ولا أن يعود بغنيمةٍ، ولا أن تُدفع عنه المنيّة؛ بل أراد ضربة يتدفق منها الدم غزيرًا، وأن تتقطع أحشاءه حتى تُرى جثته مُمزقة، وهذا كله في سبيل الله..الله أكبر!
-الموقف الثاني-
حمي الوطيس والتقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد براية رسول الله حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى إذا ألحمه القتال، اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها (أي جرحها لئلا ينتفع بها العدو) ثم قاتل القوم حتى قُتل، وجاء عند ابن هشام: أخذها جعفر بيمينه فُقطعت، فأخذها بشماله فقُطعت، فاحتضنها بعضديه، حتى قُتل. فلما قُتل جعفر، أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدم بها، وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، ثم قال:
أقسمتُ يا نفسُ لَتَنْزِلَنّهْ
لَتَنزِلَنَّ أو لَتُكرَهَنَّهْ
إن أجلبَ الناسُ وشدوا الرنّة
ما لي أراكِ تكرهين الجنّة
قد طالما قد كنتِ مطمئنة
هل أنتِ إلا نطفةٌ في شنّة؟!
انتابه في اللحظة الأولى ترددًا، وخوفًا من الالتحام، فخاطب نفسه بألّا تتردد لأجل ما جاءت له، والفوز الذي حلم به (الجنّة) والمنزلة التي تمنّاها (الموت في سبيل الله) فما ما أصدق تعبيره عن طبيعة النفس البشريّة، وما أشجعه...
-الموقف الثالث-
أخذ فيه عبد الله بن رواحة الراية، فقاتل بها، وقال منازعًا لنفسه:
يا نفسُ إلا تُقتلي تموتي
هذا حمام الموتِ قد صَلِيتِ
وما تمنيتِ فقد أُعطيتِ
إنْ تفعلي فِعلَهُمَا هُدِيتِ
الله أكبر! يحاور نفسه على أرض المعركة، يُذكرها بما كانت تدعو وهي الجنّة، يُحببّها لِما كانت ترجو وهي الشهادة. فإن تفعلي يا نفس فعل صاحبيّ زيد، وجعفر -أي الشهادة- فلقد هُديتِ.. فقاتل حتى قُتل شهيدًا في سبيل الله.
رضي الله عنهم، وأرضاهم.. وجمعنا بهم في الفردوس الأعلى من الجنّة.
