تأمّلات في مرآة النفس (العين)

أثناء معاودتي اليوم لقراءة كتاب (طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي) تذكرتُ وأنا أسيرُ مع أستاذتي بين أزقّة الجامعة، وضوء الشمس المتسلل من نوافذها، وكوب القهوة البارد من حرارة الحديث عن الكتبِ مطولًا.. بعدما فرغنا من المحاضرة، وتشربتُ من العلمِ ما يزيدني فضولًا، وشغفًا؛ للاستزادة، والتلذذ.. فتبادلنا عناوين الكتب، وكان نصيبي منها عنوان (طوق الحمامة) فصرتُ من بعدها أعاود قراءته كل فترة، وأغترف ما أسد به نهمي.

ما أفتقده في الدراسة عن بُعد مع أستاذاتي الأحاديث العفوية، والسير اللطيف، والاقتباس من فوائدهن، والتقاط بعض فرادئهن و(طوق الحمامة) يمتاز بتنوّع أبوابه، وشمولية مواضيعه، وهو من أفضل الكتب المؤلفة في الحبّ ومعانيه، وأحوال المحبّين، ووسائلهم، وخفايا النفس، وأسبابها، وعلائقها، بجودة سبك، وأسلوب قصصي بليغ عذب تشتهي النفس قراءته مرارًا وتكرارًا، وبدأ كتابه بالكلام عن ماهية الحب فقال: "الحب -أعزك الله- أوّله هزل وآخره جد، دَقَّت معانيه لجلالتها عن أن توصف. فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وليس بمنكَر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل" وقال نجيب محفوظ عن الحبّ في روايته (خان الخليلي): "الحُبّ لا يحدُث حتمًا من أوّل نظرة، ولكنّ النظرة الأولى تكفي؛ لاكتشاف من تربطهم بنا صلة روحية عسِيّة أنّ تصير الحُبّ نفسه، أليس يقولون أنّ الأرواح تتخاطبُ بغير إحساسٍ البتّة، فنظرةٌ واحدة تبلغُ بِالرّوح فوق ما تُريد"

وما أدمتُ النظر فيه اليوم تحديدًا (باب الإشارة بالعين) وهو من أقرب الأبواب لنفسي، فلطالما تأمّلتُ "نظرة العين الفتون"، وما تُبديه من نفس صاحبها، ولطالما كانت "أصدق الأقوال مصدرها العيون" وفعلها ينوب عن كلِّ حديثٍ، فكما يقول ابن حزم: ‏"واعلم أن العيون تنوب عن الرُّسل، ويدرك بها المراد، والحواس الأربع أبواب إلى القلب، ومنافذ نحو النفس، والعين أبلغها وأصحها دلالة، وأوعاها عملا" فكم من قولٍ شغل بالنا، وأسهرنا فيه ليلنا، فتحدّثت به أعيننا؟ وكم من ضحكةٍ قهقهت بها أعيننا، وكم من نهيٍ أمرت به أعيننا، وكم من حبٍّ لمعت به أعيننا، وكم من شوقٍ باحت به بالدمع أعيننا؟ وهو القائل كذلك: "اللقاء يذهب السخائم، فكأن نظر العين إلى العين يصلح القلوب" يصُلح ما في النفس من حقد وضغينة، فيصير قبول، ورضى.. يا لقوّة أثر النظرة!

وقال الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين): "الإشارةُ واللّفظ شريكان، ونعم العون هي له، ونعم التّرجمان هي عنه. وما أكثر ما تنوب عن اللفظ، وما تغني عن الخط"

وقد قال الشاعر:

"أشارَت بِطَرفِ العَينِ خِيفَةَ أهلِها

إشارَةَ مَحزُونٍ ولم تَتَكَلّمِ

فأدرَكتُ أنّ الطَرفَ قد قالَ مرحبًا

وأهلًا وسهلًا بِالحبيبِ المُتَيّمِ"

وأورد كذلك بيتان آخران في معنى الإشارة، التي تحلّ أحيانا محلّ الإفهام باللفظ:

"العينُ تُبْدي الذي في نفسِ صاحبِها

مِن المَحبّةِ أو بُغضٍ إذا كانَا

والعينُ تَنطِقُ والأفواهُ صامتةٌ

حتّى ترى مِن ضميرِ القلبِ تِبْيانَا"

وفيما قيل عن ما يُجيده أحبتك في رؤية ما تُخفيه نفسك فيُدركونه، ويفوت العامة:

"ترى عينها عيني فتعرف وحيها

وتعرف عيني ما به الوحي يرجعُ"

وفي قصيدة لبهاء الدين زهير يقول فيها عن عيون حسّادِه الناطقة:

"كادت عيونهم بالبُغض تنطِق لي

حتى كأن عيون القوم أفواهُ"

وفصّل ابن حزم إشارات العين، ومعانيها فقال: "الإشارة بمؤخر العين الواحدة نهي عن الأمر، وتفتيرها إعلام بالقبول، وإدامة نظرها دليل على التوجّع والأسف، وكسر نظرها آية الفرح، والإشارة الخفيّة بمؤخر العينين كلتاهما سؤال، وقلب الحدقة من وسط العين إلى الموق بسرعة شاهد المنع، وترعيد الحدقتين من وسط العينين نهي عام"

تأمّلوا هذه الدقّة! لعلّ كل منكم قد استحضر مشهد إشارة من الإشارات، ونظرة من النظرات، ومعنىً من المعاني، فتداركوا نظرات أهل مودّتكم، واعلموا ما تُخفيه صدورهم، وتُبديه أعينهم، وركّزوا فيما لا يقولونه، فكل الطُرق تؤدي إلى نظرةِ العين.

سوانح سارة
سوانح سارة