ذكرى القصيدة
شوق ابن زيدون يفيض بأشواقي، وذكراه تُهيّج ذكراي.

شوق ابن زيدون يفيض بأشواقي، وذكراه تُهيّج ذكراي.. فكلّما قرأتُ مطلع القصيدة، أتذكر نفسي وأنا في آخر سنوات المرحلة الثانوية بين صفوف الفصل، وكتب الأدب على الطاولات، ولمعان أعين الطالبات من انبهارهن، وانطرابي بتهاتفهن على الأسئلة فيقلن: "طيب يا أبلة وش يقصد؟" كنتُ ممن انبهرن بذاك فتخرجتُ، وتخصصتُ في الأدب العربي، أعيشُ بين أبيات الشِّعر، وأتقصى مقاصد الشعراء…
فلمّا درستُ مقرر (الأدب العربي في الأندلس) وتناولنا قصيدة ابن زيدون، كنتُ أرى من مقعدي في الجامعة، مقعدي في الثالث ثانوي، هناك في الصف الثالث حيث أستطيع الأكل دون أن تراني الأستاذة، وصديقاتي يلتفّن حولي، أمامي أستاذة العربي، وبيدي كتاب الأدب، نتدارس قصيدة ابن زيدون، وصوت البنات خلفي، وحماسهن، وصوتي ما زال يلفظ نفس القول في نفس القصيدة: الله الله!
فارتأيتُ في تدوينة اليوم الخامس من #تحدّي_التأمل أن أضع جلّ تأمّلي في بعض أبيات هذه القصيدة العذبة..
يقول فيها:
"إني ذكرتُكِ بالزهراء مشتاقا
والأفق طلقٌ ومرأى الأرض قد راقا"
كانت سماء مدينة الزهراء صافية وجميلة، ووجه الأرض ضاحك فهيّج ذلك شعور الاشتياق لدى ابن زيدون لمحبوبته ولّادة، فذكرها والشوق ينخر أضلعه، وبرغم أنها وقفة طللية، إلا أنه جدد في وقوفه بذكر الطبيعة الجميلة، فظهرت إحدى خصائص شعره واضحةٌ جليّةٌ، وهي إشراك الطبيعة في مشاعره.
"وللنسيم اعتِلالٌ في أصائلهِ
كأنه رقّ لي فاعتلّ إشفاقا"
جسّد هنا الطبيعة كما لو أنها إنسان تشعر به، وترأف عليه، وترحمه! فيقول هذا النسيم المعتل، البارد، الهادئ، الخفيف جدًّا، رقّ على حاله لما لقاه من شوقٍ، وحنين؛ فمرض إشفاقًا عليه.
"والروضُ عن مائه الفضّيّ مبتسمٌ
كما شقَقتَ عن اللَبّاتِ أطواقا"
ويصف هنا ماء الأرض الخضراء حين يجري متلألًأ في وسطها، فكأن الأرض ثوب له فتحة في أعلى الصدر، والماء عنق مرأة ناصعة البياض، وتلبس عقد من اللؤلؤ يتلألأ..فشبّه الماء الفضيُّ في الأرضِ الخضراء، بعقدٍ يتلألأ في عُنق المرأة الحسناء، وهو تشبيه في غاية الجمال!
"يومٌ كأيّامِ لَذّاتٍ لَنَا انصرَمت
بتنا لها حين نامَ الدهرُ سُرّاقا"
يقول هذا اليوم الذي ذكرتُكِ فيه، يشبه أيامنا الممتعة التي قضيناها معًا، ويُبين صعوبة اللقاء بها فيقول كنّا نسرق لحظاتنا وأيامنا خلسةً كي لا يرونا الحاسدون، والعواذل، فنعيشها بعيدًا في تفاصيل هذه الطبيعة الجميلة.. ذهبت تلك الأيام بأصحابها، وخلفت لي الشوق والذكرى.
"نلهو بما يستميلُ العينَ من زهرٍ
جال الندى فيهِ حتى مال أعناقا"
فيذكُر لهوهم معًا في تلك الأيّام، وما كان كأيّ لهوٍ؛ بل لهوًا صاحبه طبيعة الزهراء الجميلة، فتميل عينيهم للجمال، وتستمتع بزهرٍ جال فيه قطرات النَّدى حتى أمالت عُنقه!
"كَأنّ أعْيُنَهُ، إذْ عايَنَتْ أرَقي
بَكَتْ لِما بي، فجالَ الدّمعُ رَقَرَاقَا"
ثم يرجع، ويُجسد الطبيعة إنسان يشعر به، فصوّر قطرات النَّدى التي ملأت الزهر وكأنها أعين فاض بها الدمع فانهمرت تبكي حزنًا عليه حين رأت آثر السهر على عينيه، والليل الطويل الذي يمرُّ عليه وهو لا ينام…
