ذكريات مع الرياضيات
نشأتُ كارهة للأرقام والأعداد أمقت الرياضيات، ومواجه العدو في معركةٍ بلا سلاح أهون من مواجهة الأرقام.

نشأتُ كارهة للأرقام والأعداد أمقت الرياضيات، وأشمئز من شكل المسائل، ولا أحفظ جدول الضرب؛ ففي الغالب يضربني، ولا أطيق القسمة المطوّلة؛ لأنها تُطيل همومي، ويؤلمني ظهري من انحناء الشكل الهندسي، ولا يشملني قانون الجاذبية لنيوتن…فكيف يرفس النعمة، ولا يشكر الله ذا المنّة، ويورطنا بقانون جاذبية؛ إلا أنه أراد لنا رحلة قاتمة.
عزمتُ من أولى متوسط دخول قسم الأدبي، وتجرّعتُ مرارة الانتظار؛ فكنتُ كالمداوى جُرحه يصبرُ على شِدّة الدواء مخافة طول البلاء. أنتظر يوم السَّعد الذي يسألوني فيه: "علمي ولا أدبي؟" ولن يفعلوا فحتى حارس المدرسة يعلم قراري. كان خبر "أستاذة الرياضيات غائبة" يرفعني في عنانِ السَّماء، وخبر "غدًا اختبار الرياضيات" يهبط بي إلى أعمقِ القاع… كابوس! كيف سأنجح، وإذا سألتني الأستاذة ١+١ فغر فاهي، وتردَّدتُ في ناتجه. يجاوبن الطالبات على الأسئلة بالفهم، وأنا بالحفظ…حفظتُ كل الأرقام الموجودة حتى رقم طبعة الكتاب، أكتب المسألة على الورق على الجدار، على الكتاب على الطاولة، على كل شيء…بلا كلل، ولا ملل حتى تستقرّ. إذا نسيتُ حفظي لمسألة، وجاءتني في الاختبار أعيد كتابة السؤال في خانة الجواب، وأتخيّل وجه الأستاذة إذا قرأته؛ فأضحك ملء شدقي…أخشى أن تنادي اسمي في الحصَّة للمشاركة، ليس لأني لا أعرف الإجابة؛ بل أشفق عليها من جوابي…فهو غالبًا لا يمتّ للرياضيات بصلة.
كنت في كلِّ ليلة اختبار أتضرّع إلى الله أدعو بالنجاح، وأوعد نفسي قائلة: "المرة الجاية بذاكر، إذا نجحت في هالاختبار بشد حيلي الفصل القادم" طبعًا (المرة الجاية) ما جاءت إلى الآن، و(حيلي) في عداد المفقودين. تجاوزت كل اختبار بلطف الله، وتوفيقه ثم دعوات والدتي -حفظها الله-، والاستعانة بصديق غفر الله لنا.
في آخر أيّام أولى ثانوي، وآخر اختبار للرياضيات في مسيرتي الدراسيّة…خيّم الهدوء في القاعة بعد توزيع الأوراق؛ إلا من صوت كعب المراقبة، والمكان بارد كثلاجة الموتى؛ إلا أنَّك حيًّا، وتختبر رياضيات. مكاني قبل المقعد الأخير في الصفّ الثاني، لا أذكر مَن كانت خلفي، ولا أنسى مَن كانت أمامي؛ فقد حلّت الأسئلة دون توقف -ما شاء الله- وأنا لا أقف؛ بل أدعس على المسائل، وأمشي…في الحقيقة كنت أبكي من الداخل؛ إذ جاءني إحساس بأنَّي سأحمل المادة؛ فلمّا أدركتُ بأنّ لا مناص، هي خاربة خاربة…قرّرتُ وضع لمساتي الخاصّة؛ فكتبتُ حلول اعتباطية، وأرقام عشوائية، والسؤال في خانة الإجابة. ثم نمت مِلءَ جُفوني عن عبثي، وحلمتُ بالأعداد ترفس بطني، والقسمة تقسم ظهري نصفين، والضرب يطرحني أرضًا…مواجه العدو في معركةٍ بلا سلاح أهون من مواجهة الأرقام.
استيقظتُ على صوت المراقبة: "ورقة التوقيع جات، اللي خلّصت توقّع وتطلع" وقّعتُ على رسوبي، لا خروجي…بينما الطالبات يتبادلن الفرحة، وينشرن البهجة، والسرور ضاربًا خيامه، والأنس ناشرًا أعلامه بمناسبة انتهاء كابوس الرياضيات، كنتُ أغرقُ في إحساسي المُتيّقن بأني سأنظر لهذه الأرقام مجدّدًا.
انتهت أيّام الاختبارات النهائيّة، وبدأت أيّام الإجازة الصيفيّة، وجاء اليوم المشؤوم بغيمةٍ سوداء كسواد وجهي حين أخبروني بأني حملتُ الرياضيات، تمنيّت حينها لو أستطيع إجهاضه. قُرِّر إعادة الاختبار لي، ولأمثالي الناجحين؛ فالورقة لم تحتمل ذكاءنا. تجمّعنا في ساحة المدرسة، تأهبنا لدخول المعركة، وقلتُ: يا أنا يا هو! وصوت من الداخل: "طبعًا هو، لا تهايطين" دخلتُ، وخرجتُ بنفس السرعة، وبفضل الله وتوفيقه كنتُ أنا؛ فقد تجاوزته، ونجحت…هكذا كانت آخر ذكرى مع الرياضيات؛ فيَا لها من أيّامٍ قضيناها، وليال من الدّهرِ عشناها، بلا عودة إن شاء الله.
