ذكريات مع النحو

تاريخي مع النحو ليسَ ناصعَ البياض، وعلاقتي معه متوترة، رغم أني أحبّه وأهله حبًّا شديدًا، وأصبرُ عليه صبر المُحبّ على ما يُحبّ.

تاريخي مع النحو ليسَ ناصعَ البياض، وعلاقتي معه متوترة، رغم أني أحبّه وأهله حبًّا شديدًا، وأصبرُ عليه صبر المُحبّ على ما يُحبّ، وأشيدُ في كلِّ نقاش بأهميّته، وأنه ميزان هذا كله؛ كما قال أبو العباس؛ «لا يصح الشعر ولا الغريب ولا القرآن إلا بالنحو. النحو ميزان هذا كله»

لم أحصد به درجة كاملة خلال مسيرتي الدراسيّة إلا في فصولٍ معدودة، وأوّل درجة حصلتها في الجامعة كانت ٦٠…ذلك أنّي ذهبتُ في الأساس بلا مذاكرةٍ صارمة، وحمدتُ الله أني لم أرسب، وثاني درجة ارتفعتْ عن الأولى بعشرٍ، فقلتُ: ممتاز تبقى على منحي لقب سيبويه بضع درجات! وبعد عراك طويل، والكثير من العويل، وقراءة قصائد الضلّيل نلتُ درجة ٩٢…نعم هي بدون "+" لكن يكفيني الولوج في دائرة الممتاز، ثُمَّ قصة هذا الاختبار مُضحكة ومبكية في آنٍ واحد.

يوم الامتحان

ذهبتُ يومها للاختبار قلبي يخفق، وجسمي يرجف، ودعوتُ في الطريق أن تُغلَق الجامعة، أو تُغيِّر مكانها…المهم ألّا أصل، وكأني ذاهبة لمعركةٍ مُحتّم فيها قتلي! فدخلتُ على مجموعة صديقاتي في الواتساب وكتبتُ: " يا حظ الحيوانات ما عندهم نحو ولا إعراب ولا قواعد للكلام، أصلًا ما عندهم كلام، بس يقولون مياو، وهَو هَو، والذيب يعوي على كيفه" وهو لا يمثّلني، وأنا غير مسؤولة عنه، ولا أحلّل استخدامه لأي غرضٍ من الأغراض. ثم وصلتُ للقاعة، واخترتُ مقعدًا يمكنني فيه ممارسة الدراما على كيفي، ولا يمكن لأحدٍ رؤيتي…أخذتُ ورقة التظليل وكتبتُ بياناتي ثم استلمتُ ورقة الاختبار، وقرأتُ في أسفل الصفحة اسم دكتورة لم يسبق لي التتلمُذ على يدها! فقلتُ للمراقبة -بصوتٍ متحشرج وملامحٍ بائسة-: الدكتورة غيّرت اسمها؟ أم أني اكتشفتُ اسمها الحقيقي للتوّ؟ أخبريني أرجوك بأي شيء عَدا أني دخلتُ قاعة ليست قاعة اختباري! فقالت: خذي عفشك وتوكلي على الله… فخرجتُ أجرُّ ظلّي، وما تبقى منّي، لكن لا يوجد مجال للدراما وقت الاختبار عمال بيجري وأنا مش لاحقة.

لحقتُ بفضل الله وكانَ الاختبارُ جيدًّا، غير أني لطّختُ سمعة ذكائي عند دكتورتي بغباء أسئلتي…سألتُ عن شيءٍ بدهيّ أقسمُ لكم لا تسأله الطالبة في الابتدائي! بسبب التوتر، فقالت الدكتورة -جزاها الله عنّي خير الجزاء-: "هذا سؤالٌ لا تخفى عليك إجابته، خذي نفسًا"

نصيحة من القلب: إيّاكم والتوتر، لا تتوتروا، افعلوا كل شيء إلّا التوتر؛ فإنه يفعل بالمرءِ مالا يفعله العدو بعدوّهِ!

وقتُ إعلانِ النتائج

راقبتُ نتيجتي بعينٍ مفتوحة، والأخرى مغلقة، أقولُ: يا رب بيّض وجهي على الأقل أمام دكتورتي؛ إذ كانت تُحسن بي الظن كثيرًا، وهذا من نبعها الصافي، وجمالها الضافي؛ فأثقلتني ظنونها الحسنة، بعد إجاباتي المُخزية…ثُمَّ لاحت الدرجة بجمال رقمها غير المعهود: ٩٢…كانت لذيذة لذّة مختلفة، وقد حصدتُ بعدها مئة في النحو لكن لم تطب لي كما طابت هذه.

محاولة روقان فاشلة

أذكرُ أني حاولتُ مرّة الذهاب لاختبار النحو بروقان؛ فكنتُ أرتشفُ قهوتي وأقرأ قصيدة قبل الموعد، وضاربة بالتوتر عرض الحائط حتّى دلفت إحدى الطالبات، وجلست بجانبي فقالت: "كيف هذي الجزئية؟ صعبة صح؟" تقوّس حاجبي؛ لأني أوّل مرّة أرى هذه الصفحات! فنسيتُ القصيدة، وأبعدتُ القهوة، وأخرجتُ الكتاب وأنا أرتجفُ…على الريحة، وبعدما حُبِسَ النفس في صدري، وُضيِّقَ عليه نبّهتنا التي خلفنا بأن الجزئية ليست معنا؛ فاستنشقتُ ما تبقى من هواء في القاعة الصغيرة، وفشلت خطة الروقان ما قبل الاختبار، وأيقنتُ بأن كل المحاولات لن تنفع أبدًا، والله يسامح من كان السبب.

سجال لطيف مع دكتورتي

في حوارٍ ظريف مع دكتورتي-حفظها الله- تجادلنا بمزحٍ بين التخصصات العربيّة فقالت: "أمّا الأدب فأعوذُ بالله من علمٍ لا ينفع" ولأني طالبة أدب -جعلني الله من أهله- قلتُ: "لو أنه لا ينفع لَمَا استشهدتم بأبيات شِعره في النحو؛ لإثبات قواعدكم" فضحك الجميع…ثُمَّ، كل شيء صمت.

سوانح سارة
سوانح سارة