ركوب الخيل لا يُعلّمك الفروسيّة فقط!
من إحدى أراضي الله في مكة المكرمة، وقد جاءها الربيع الطلق يختال ضاحكًا، بدأتُ دورة تدريب للفروسيّة، بعد غياب دام ما يقارب ٣ سنوات.

⏰ | ٥:١٤ مساءً
من إحدى أراضي الله في مكة المكرمة، وقد جاءها الربيع الطلق يختال ضاحكًا، وقد زارنا هذه السنة مُبكِّرًا؛ نظرًا لهطول الأمطار باستمرار.. بدأتُ دورة تدريب للفروسيّة، بعد غياب دام ما يقارب ٣ سنوات.
⏰ | ٥:٣٥ مساءً
لم أستغرق الكثير من الوقت؛ لاكشف عن خوفي لنسيان التوازن الذي تعلّمته؛ فقالت لي المدربة: "الاستعادة دائمًا تكون سهلة، لا تشيلين هم" وكنتُ أظنُّ -من لطفها- تكذب علي لتهدئتي، وبعد إتمام أوّل حصة بنجاحٍ وإتقان، قالت لي: "هالفرس عنيدة وصعبة مو مع أي أحد تمشي، ومعك مشت على طول!" وظننتُ كذلك بأنها تجاملني لتحفيزي، وأن الفرس مشت معي لأني نقلت لها كل العلوم؛ فما تركتُ سالفةً بالفصحى إلّا وقلتها لها…لكنني حين قطعتُ شوطًا ليس بالهين معها؛ علمتُ بأنها صديق صدوق صادق، وفي الحقيقة -بعد فضل ربي- أظنُّ أن هذا يعود لتهيئة نفسي قبل المجيء، والاستعداد التام، والشوقُ إلى اللقاء.
⏮️ | عودة للوراء
بدأت علاقتي مع الخيل مُذ بدأ ذكره في الأدب العربيّ قبل قرون عديدة؛ فكل محبّ للأدب هو محبّ للخيل بالضرورة، وأكّدت المصادر التاريخيّة والأدبيّة العلاقة الوطيدة والثابتة التي تجمع العربي والخيل؛ فقد تفاخر بها، وتغنّى بجمالها، وضرب الأمثال فيها، وألّف كتبًا عنها؛ بل وفي محلّ العيال جعلها؛ فقد قال الشاعر العربي القديم:
إذا ما الخيلُ ضيّعها أناسٌ
ضممناها فشاركت العيالا
نقاسِمها المعيشةَ كلَّ يومٍ
ونكسوها البراقع والجِلالا
وقال آخر:
ولا مالَ إلا الخيلَ عندي أعده
وإن كنتُ من حُمرِ الدنانيرِ موسرا
أقاسمُها مالي وأطعمُ فضلَها
عيالي وأرجو أن أُعانَ وأوجرا
وقال آخر:
أقيه بنفسي في الحروب وأتقي
بهاديه إني للخليل وصول!
وفي شرح الحماسة لأبي تمام قال:
هذا معنىً شريفٌ حسن. يقول: أحفظ مقاتل فرسي بفخذي ورجلي، وأتقي فيما يأتيني بعنقه. والمعنى: من أراد أن يصيب مقتلي جعلت بيني وبينه عنق دابتي، كما أن من أراد مقتل فرسي أجعل بينه وبينه فخذي ورجلي. ثم قال: "إني للخليل وصول" أي لا أخذله في الشدائد ولا أنتفع به إلا وأنفعه.
للخيل حضور متجذّر في تراثنا العربي
يؤكده لنا الجاحظ في قوله:
لم تكن أمة قط أشد عجبًا بالخيل، ولا أعلم بها من العرب، ولذلك أضيفت إليهم بكل لسان، ونسبت إليهم بكل مكان، فقالوا فرس عربي، ولم يقولوا هندي، ولا رومي، ولا فارسي.
ارتبط بتاريخنا وتراثنا؛ فصار رمزًا من رموز هُويّتنا، وسطّر الشعراء العرب أجمل القصيد وأحسنه في وصف الخيل ومحاسنه.
في المملكة العربيّة السعوديّة
تحتل الخيول مكانة خالدة لا يغيّرها التنقّل مِن حالٍ إلى حال؛ وقد حظيت بعناية واهتمام على مرّ العصور، جاء في كتاب "أصول الخيل العربيّة" لحمد الجاسر -رحمه الله-:
ففي عهد الملك عبد العزيز اتجهت عنايته إلى رعاية الخيل، والاهتمام بشؤونها، قال الشيخ يوسف ياسين: "ولما رأى ذلك (يعني كثرة ما يُقْتَلُ من عِتَاق الخيل في الحروب) وخاف على أنساب الخيل أن تضيع؛ جمع الخيول الأصايل، وجعل لكل فريق منها مكانًا خاصًا وخدمًا مخصوصين وشدَّد في أوامره بالمحافظة عليها والعناية بشأنها.
ومنذ عهد المؤسس -رحمه الله- حتى يومنا هذا في عهد الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان -حفظهم الله- امتدّت العناية بالخيول عمومًا والخيول العربيّة الأصيلة خصوصًا حتى تحقّقت نجاحات ملموسة في المحافظة على هذا الإرث القيّم بإقامة العديد من المهرجانات والمعارض والسباقات، وتعزيزه بين الأجيال.
ماذا يعلّمك الخيل غير الفروسيّة؟
أظنُّ أن تعلّم ركوب الخيل -وبطريقةٍ ما- هو رحلة مختصرة لمفهوم الحياة؛ فالمخاطر تواجهك، والتحدّيات تحيط بك، والموت في كل خطوةٍ يترصّدك؛ إلّا أن خوضك لهذه التجرِبة يُكسبك الشجاعة، وينمو صبرك، وتتطوّر قدراتك، وتزداد ثقتك.
يُعلّمك ألّا تتسرّع في اتّخاذ القرار، وأن العناد مُعين على الاستمرار، يُعلّمك بأن الصعب لا يُروَّض إلا بضبط النفس والهدوء التام، وأن الحلّ ليس في الاستسلام، يُعلّمك بأن الشدّة ليست أول الحلول، وأن الغفلة قد تُكلّفك الكثير.

جزءٌ من ذاتك يكتنز مواهب وإمكانات لم تُكشف بعد، ولا يمكن إبصارها والوصول إليها إلا بتوريطها ودفعها للمواجهة دفعًا، وتطويقها بالزوايا التي لم تألفها، والتجارِب التي لم تخضها؛ فتُخبِر عن مكنون مهاراتك، وتُسفِر عن مدفون قدراتك، ولذا أستلذُّ ركوب الخطر؛ فلم أقفز يومًا باستعدادٍ تام 100% فلا وجود له في نظري، وانتظاره عائقٌ للسعي في مناكب الأرض. هذا ما أؤمن به، وأعترف بأني ساطية "وفي كفّي قديحة وبارود" وهذا الذي ساعدني بعد توفيق ربي في تجاوز المراحل الأولى سريعًا في رحلتي لركوب الخيل.

كنتُ أطمحُ لامتطاء الخيل الأدهم منذ أول يوم تدرّبت فيه، دخلتُ الاسطبل، وقلت للمدربة: «أنا جاية أركض» ولمحت عيني من بعيد شيء أسود فاخر الجمال والهيبة فإذ بها قالت: "بنعطيك كحيل" يا بعد كل الكحلى. لسان الحال:
وأستكبِرُ الأخبارَ قبل لقائه
فلمّا التقَينا صَغّر الخَبَرُ الخُبْرُ
تحذيرات ونصائح عامّة قبل ركوب الخيل 🏇
من شخصٍ لم يسقط من ظهر الخيل حتّى الآن، والحمد لله!
كن مُحبًّا للخيل أولًا.
حاول التغلّب على خوفك قبل المجيء، ليس بالكذب على نفسك وتَكرار: "أنا لا أخاف" هذا لا يساعدك، اعترف بخوفك وافهم أسبابه لتعالجه؛ فإذا كنت تخاف من السقوط مثلًا، تعلّم كيف يمكنك تقليل نسبة الحدوث؛ بالمهارات اللازمة بعد التوكل على الله وقراءة أذكارك.
"كأنّ الخيلَ تعرف مَن عليها/ ففي بعضٍ على بعضٍ تَعالِي" الخيل يختبرك؛ فإن لم تكن أهلًا للقيادة؛ فلن تحظى باحترامه أبدًا، وسيلعب بك يمنة ويسرة؛ فكن شجاعًا قياديًّا وفالك الدرجة الكاملة.
لكل خيل شخصيّة وطريقة للتعامل معه؛ تمامًا كتعاملك مع الناس، ليس صعبًا لكنّه يأخذ وقتًا، حاول أن تفهم شخصيّة كل خيل ستقوده؛ فالخيل الذي خطوته سريعة، وروحه مغامرة لا يمكنك معاملته معاملة الخيل المتأني والهادئ، وقِس على ذلك.
أذن الخيل دليلك الإرشادي للتعامل معه، وأهم ما ينبغي عليك معرفته: إذا كانت أذنه متّجهة للخلف؛ فهو متّخذ لوضعية الحذر، لن يهجم غالبًا لكنه مستعد للهجوم عند أي إشارة تدل على الخطر.
إيّاك والإقبال على الخيل من الخلف؛ فالخيل لا يمكنه التكهن بقدومك؛ فحين يشعر بالخطر سيضطر للدفاع عن نفسه فورًا، وسيفوتك حقّ التبرير غالبًا.
• أساسُ توازنك موضع ركبتك على السرج، وعوامل الثبات على الخيل عديدة، وهذه ليست منها:
الضغط على الركابة.
تمسّك الشديد باللجام.
شد أعصابك.
وفي الختام؛ كُن شجاعًا. تمنياتي لك بالتوفيق، والسلام!
