سلسلة مصادفات
نصل لوجهتنا باختلاف مساعينا، وتنوّع أهدافنا، وتقلّب أمزجتنا، يجمعنا طريقٌ واحدٌ نعرفه ويعرفنا.

بدأ كل شيء من صدفةٍ واحدة!
وقفنا فيها بجانب بعضنا، ننتظر قدوم القطار، وقد أوشكتْ شمس النهار تغيب، تحمل بيدها قهوة باردة، وأحملُ بيدي قهوة سوداء؛ ليست كقلبي ولا كقلبها؛ فأكاد أرى من وراء ردائها الأسود بياضه. ثم بدأت سلسلة لا نهائية من المصادفات، كأنّ كل شيء يلحّ علي للتعرّف عليها. نتشارك ذات الرحلة دومًا، مقاعدنا في نفس المركبة غالبًا، وتكون بجانبي من الصفّ الأيمن إلّا ما ندر -لا لضيق المقاعد-؛ بل لسعةٍ في أرواحنا تجذب بعضها بعضًا.
نصل لوجهتنا باختلاف مساعينا، وتنوّع أهدافنا، وتقلّب أمزجتنا، يجمعنا طريقٌ واحدٌ نعرفه ويعرفنا، رغم أنّ لا الخيل ولا الليل ولا البيداء ولا هي تعرفني ولا أعرفها؛ لكن لا تفوتني نظرة عينها البشوشة، ومشيتها العجولة، ومصادفاتنا الخجولة، وأظنُّ ظنًّا هو لا شك مُصيب أن أرواحنا قد تعارفت، ويرتشفون القهوة معًا، وينظرون إلينا بضحكةٍ ملء شدقيهم على خجلنا من التصريح ومن أحاديثٍ تدور بالتلميح كأننا نجهل مقامات الكلام، وفي غالب الأمر سنبدأ كلانا بالحديث في ذات الوقت، ثم سنضحك من الصدفة. لأن كل شيء بدأ بيننا صدفة.
حاولنا بعد عدة مرّات من تَكرار الصدفة؛ تصنّع الدهشة كأننا لا نعرف أنّا سنتصادف مجددًا في ذات الرحلة. نفشل، وتنجح الصدفة في كل مرة بإدهاشنا بتكررها بثباتٍ دائمٍ كأنها قدرًا مُحتَّمًا؛ فتنظر نحوي، وأجاوبها بطرفي، ونحن سكوت. أجلسُ الآن على متن القطار:
كأنّي به يا صاحِ دارُ ضِيافةٍ
يغادر وفدٌ ويقصده وفدُ
وتسير نحوي من مسافةٍ ليست ببعيدة تبحثُ بعينيها عن رقم مقعدها، الذي هو -بالمناسبة- بجانبي بالصدفة؛ فبعثت لي بتحيّةٍ عليها سلام الله منّي وإن نأت؛ «فبالقلبِ لا بالكفِّ يحلو التصافُحُ» ولا تعلم بأني أكتبُ عنها، أظنني سأخبرها بثرثرتي هذه حين نتشارك الخبز والملح، والقهوة معًا.
