طيف الطفولة

في كلٍّ منا طفل لم يكبر بعد.. لم تشوبه من ظلمة الحياة شيء، وما سلبت الدنيا أوهامه.

يقول أحمد خالد توفيق :

أود أن أبكي، وأرتجف، وألتصق بأحدِ الكبار، ولكن الحقيقةَ القاسية هي أنني أحدُ الكبار

في كلٍّ منا طفل لم يكبر بعد.. لم تشوبه من ظلمة الحياة شيء، وما سلبت الدنيا أوهامه.. لم تزعزعه الأيام، وتبهته السنين.. لم يمحِ التكرار لذّة دهشته، وما نُزعت من قلبه الإنسانيّة!

ما زال نقيًّا، والدهشة أُولى مسرّاته.. يندهش لحدوث كل شيء، وكأنها أول مرة. ما زال صادقًا في أقواله، وعفويًا في أفعاله، وبريئًا على سجيته. ما زال يألف الناس، ويظن بهم خيرًا حتَّى أولئك الغرباء الذين مُنع من التحدث معهم. ما زال يجود بالحب لمن حوله، وما زال قلبه كبيرًا جدًّا لاحتواء كل ما يحب. ما زال يفرح بالسؤال، ويسعد بالاهتمام. ما زال شقيًّا، وبودّه أن يأخذ المزهرية، والتحف فيحطمها، والقلم للكتابة على جدران المنزل، والشوارع. ما زال يتخذ البكاء ردة فعل، ويتذوق طعم الدمعة. ما زال ينتظر معجزة تُحلّق به فيغفو فوق السحب، أو تجعله مطاطيًا؛ ليصل لِما يريد سريعًا، وربما يختفي كالتي يراها في أفلام الكرتون، أوه بالمناسبة ما زال يشاهد أفلامه الكرتونية المُفضّلة، وما زالت الحلوى وجبته المفضّلة، وما زال يترنم بأناشيد الطفولة، ويتمايل على أنغامها. ما زالت ضحكته إذا “غرّدت في مُوحش الرمْل أعشبا” وما زال يقهقه؛ لأتفه الأشياء كـ”دَيّ” من خلف الباب، أو وراء سِتار، وما زال يحب اللعب بالمناسبة. كلعبة البيوت، أظن أنها المفضلة لدى الجميع.

قلبٌ يتّسع للعالم

ما زال شُعاع الأمل بداخله يُبدِّد ظلمات اليأس. ما زال يحلم، ويتمنى كثيرًا، ويرغب بقوةٍ، وصلابة. ما زال يرفض الاستسلام. ما زالت التفاصيل الصغيرة تلفت نظره، ويثير فضوله كل ما حوله. ما زال يتساءل ببراءة، عمّا يحدث. ما زال ذلك الطفل الذي من فرط حنانه قد دفن عصفور. ما زال معطاءً، وعطاءه نهرٌ لا ينضب. ما زال بليغًا بفطرته؛ بل قد ينظم الشعر كما لو كان يتكلم. ما زالت عيناه تبحثان عن والديه في المحافل، والأعياد، والأفراح، وتلمعان لمجرد أنه لمحهما، وما زال يهرول لهما حين يستيقظ من كابوسٍ ما، وبالمناسبة ما زال يخشى مشاهدة أفلام الرعب. ويخاف من ظهور قدميه دون غطاء. ما زال يفرح بالمطر، ويبلَّل ناصيته كلّما هطل. ما زال يعتقد بأن القمر يلاحقه، وأن النجوم تسطع واحدة تلو الأخرى ترحيبًا به.

ماذا علينا أن نفعل؟

أن ندع ذلك الطفل يسطع، فيضيء دواخلنا، وخوارجنا، ويمتدّ لمن حولنا… أن ندعه يُحلّق كطيرٍ في السماء فيأخذ بيدينا لِما هو أرحب، لِما هو أنقى، وألطف. أن ندعه يغرد ضاحكًا أحيانًا، وينهمر باكيًا أحيانًا… فيصير على طبيعته، دون أن يمضي حاملًا على عاتقه ما لا يحتمل.

سوانح سارة
سوانح سارة