عن مقعد الوظيفة.. أحاديث متنوعة ومتفرقة
بدَّد الفجر الدّجى، وبدأ موسم حصاد سنين دراستي، وباشرتُ بالعمل في أول وظيفةٍ لي؛ مرحلة جديدة، ومحطّة أحطُّ بها رحلي لأوّل مرّة؛ عن مقعد الوظيفة أحدِّثكم.

«ومن رصيف إلى آخر أمشي قاطعًا حياتي سيرًا على الأحلام.»
بدَّد الفجر الدّجى، وبدأ موسم حصاد سنين دراستي، وباشرتُ بالعمل في أول وظيفةٍ لي؛ مرحلة جديدة، ومحطّة أحطُّ بها رحلي لأوّل مرّة؛ عن مقعد الوظيفة أحدِّثكم، ولعلّي به أنبؤكم باختلافه عن مقاعد الدراسة؛ فهو يحمل معه جديّة الحياة عمومًا، والعمل خصوصًا، ذهبتُ إلى المقابلة بلا استعداد، وبرفقة كتابٍ لجدّي -يرحمه الله- عن سيرة الصحابة -رضوان الله عنهم- قد كنتُ في قمة اللامبالاة، ولم أُجهد نفسي بالبحث، وتجهيز الأجوبة، ولم يضرب قولوني من التوتر، ولم آتِ بالعيد. كنتُ متوقّعة الرفض، وذهبتُ لغرض تدريب النفس على المقابلات لا أكثر؛ فكل مقابلة تذهب إليها تنتفع منها أشياء وأشياء ولو باءت بالرفض. لكنّ رسالة العرض الوظيفي دمّرت التوقعات عقب دعوات؛ فأحدثت صرخات بلا ويلات.
كانت بداية مُشرقة، ومُفعمة بالحيوية بيَد أن بعد مباشرتي للعمل قد تعب المدير وغاب أسبوع، وأصيبت إحدى الموظفات بنزيف، والثانية دخل والدها إلى العناية، والثالثة كشفها كورونا، واخصائية الأجور متعجّبة لماذا الرواتب تأخّرت، أعترفُ بأنّي في أوّل يومٍ أردتُ وبشدة أن أصطحب والدتي معي، فليس على كيفكم! متى كبرتُ إلى هذا الحد؟! لكن الحمد لله أن عائلتي لم تلبِّ طلبي، وإلّا كنتُ سأكونُ أضحوكة العالم، وأحذّركم جميعًا من تلبية طلبات هواجيس أوّل ليلة، كنتُ في قمّة الحماس، وهذا من شدّة الخطأ؛ لأنها غالبًا إشارة لقبولك أيّ عمل ومهام. هناك فرقٌ كبير بين التعاون، وبين أن تعملَ عمل أحدٍ آخر، وهو خيط رفيع لا يمكنني شرحه بدقّة لكن ستكشفه لك الأيام، وحتى ذلك الحين كُن مستعدًا..تمنياتي لك بالتوفيق.
كانت لي عينان، ومع مرور الأيّام ظهرت لي عين ثالثة!
تُسمى الإدراك منافعها أكثر من أضرارها، وقلّما تُخطئ؛ فانصت إليها جيّدًا، واعمل بما تراه بعد استخارة ربّ العالمين، ستهدأ أعصابك بعد فترة، وستصبح أكثر مرونة وسماحة، رغم أنّ سماحتك ستكلّفك الكثير؛ فليس الكل كأهلك وصحبك، لكنّ هذا لا يغيّر من الأمر شيئًا؛ فهي جوهرك، وستبقى سمحًا على كل حالٍ بيد أن قدمك ستعتاد على أرضِ الحذر لكي لا تذهب السماحة لغير أهلها.
يرتفع مستوى التنافس في بيئة العمل؛ فالأغلب يلهث ليسبق الآخر حتى يظفر بلقب «الأوّل، الأفضل» وهذه الرغبة -بظنّي- قد تحقِّق كل شيء إلا الهدف الأهم والأسمى؛ وهو التكامل والتعاون مع كل من يجمعك به علم وعمل، لستُ مثاليّة لكنّ التنافس آخر همّي -وليس لطيب النفس علاقة- على أنّي أجوديّة، لكنّه مبدأ اتّخذته في حياتي؛ فقد كانت -وما زالت- معركتي الوحيدة في كلّ مراحل حياتي = مع نفسي لأكون أفضل من أمسي. لا أتنافس مع من حولي، ولا أدخل في سباقٍ لإثبات شيء، ولو كانت فيه منفعتي. منشغلة بجوهري، لا يستحثني سوى عمارة أرضي بمعانٍ سامية مهما كانت مغريات السباق؛ فقد ظفرتُ بانتصاري على أرضِ معركتي، وكنتُ في الحقيقة سأنجرف لوحل المنافسة؛ لأنّي شعرتُ لوهلة بأنّي على خطأ؛ فالكل من حولي يركض، وأنا أحتسي قهوتي على مكتبي وأعمل بهدوء.
خطأ واحد سيهديك الكثير لتتعلّمه!
نعم. أخطأت كثيرًا؛ لكنّي كنتُ دومًا أتعلّمُ شيئًا جديدًا، وهذا ما ساعدني على الاستمرار -بعد فضل الله وتوفيقه- وبعد مدّة وجيزة ستكون ممتنًّا لكلِّ خطأ ارتكبته، على أنّي اكتشفتُ جوانبًا في شخصيّتي عديدة فلم يسبق لي التعامل معها ولا العراك؛ فاضطررتُ لإصلاح بعض الجوانب وتقويمها، وبعضها ساعدتُ في تطويرها وتحسينها، وبعضها ما زالت -حتى الآن- تحاولني وأحاولها ولا ندري من سينتصر؟!
من أولّ يومٍ جاءت فيه إحدى الزميلات إلى المكتب شعرتُ تجاهها بانتماء مسبق؛ كانت واضحة وضوح لا يرتاب معه المرء أبدًا، شفّافة، وهذا أكثر ما يهمني في المرء ويجذبني كذلك؛ وضوحه معي وصدقه. نختلف في الطبائع، لكن نتفق في المبادئ، وفي القهوة؛ فيومنا لا يبدأ إلّا بشرب «الكوفي شوب» سألتني بعد مباشرتها العمل: «كيف الشغل هنا تعوّدتِ؟» وقد سبقتها بما يقارب الشهر؛ فأجبتها بابتسامة تُطمئن من في قلبهِ قلق: «ما عليك زين بتتعودين بسرعة لا تشيلين هم» فحدّثتها عن التفاصيل؛ فقالت لي بعد الميانة والعيش والملح: «تدرين بعد جوابك ذاك قلت هذه أكيد فيلسوفة!»
ندخل أحيانًا في عراك شديد اللهجة، لكن نخرج في نهاية الأمر من المكتب إلى المقهى نحتسي فيه المرّة المستطابة، وندمّر نظامنا الصحي؛ فنأكل كوكيز تسيح منه الشوكولاتة، والخواطر مسفهلّة والأمور طيّبة. حين يكون مزاجي تعيسًا، تخبرني عن موقف طريف بطريقةٍ غير مباشرة؛ لتداهم حزني، وحين يتقلّب مزاجها أبتعدُ قليلًا حتى تهدأ ثم أنقضُ سريعًا بشوكولاتة تحبّها، وكوب قهوة يُمخمخ رأسها، وبيت شعر؛ أعرفُ أنها لن تفهمه غالبًا، وسأضطرُّ لشرحه، وستضطرُّ لمجاملتي بأنه أعجبها؛ لكن لا بأس.
