غرفة 87 B

لم أطعم للآن، لكن الخبر السيئ: بيني، وبين غرفة التطعيم خطوتين فلا حِرصُ الحريصِ ينجيني، ولا حيلةُ المُحتالِ.

استيقظتُ قبل موعد اللقاح بربع ساعة، وأسرعتُ لأوقظ أختي، فتجهزنا على عجلٍ، وذهبنا حامدين.. راضين.. عليه متوكلين، مرددين:

{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}

وصلنا للموقع، أوقفنا المسؤول عند البوابة قائلًا: قدامكم العافية، موعدان ولا موعد؟ الله يعافيك لكن في الحقيقة العافية خلفنا هههه. قلت في نفسي، وجاوبته أختي: موعدان، فطلب رؤية الرسالة النصيّة للموعد، وتطبيق توكلنا فأخرجتُ هاتفي، وكتبتُ الرقم السرّي. اهتزّت الشاشة؛ لأني كتبته خطأ، واهتزّ قلبي قلقًا فعاودت كتابته، وفتح. ذهبتُ للرسائل النصيّة، وبَدت لي كل التطبيقات خضراء، مسحتُ عيني لأرى جيدًا، وما زالت خضراء. فذهبتُ لتوكلنا؛ لأثبت له على الأقل بأني لستُ مصابة بكورونا؛ بل بالخوف من وخزة الإبرة. علّق التطبيق، وخرجتُ للشاشة الرئيسية، ثم أدركتُ بأني وضعت الرسائل النصيّة في نهاية الصفحة، رأى الرسالة أخيرًا. دخلت المركز؛ فإذ بالجميع يُرحبّ ويهلّي! شعرتُ لوهلة بأني معزومة لحفلة حتّى أني شممتُ رائحة البخور، وصفعتني رائحة العيادة على أنفي فعدتُ لوعيي.

كان ممر الدخول أشبه بممر المطار، حين تشحن حقيبتك، وتمدّ لهم جواز السفر، وبطاقة الهُويّة؛ تخيّلتُ سماع صوت النداء:

"أعزائي المسافرين الرجاء التوجّه إلى البوابة..." - "الرسالة النصيّة للموعد لو سمحتِ، وقدامك العافية" قاطع مُخيّلتي صوت مسؤول الممر. قلتُ في نفسي: "آه لا، سيتكرر ما حدث قبل قليل" والحمد لله لم يتكرر شيء، لكن سقط جوالي. جيد على الأقل حدث شيئًا جديدًا. أخذته، ورأى الرسالة فوجهني للمكتب الثالث، وظننتُ أنه قال لأختي كذلك فذهبتُ خلفها أجُرُّ الخُطى ثم تداركتُ بأنها الثاني، فغيّرت سريعًا سير خطواتي، يعنني عارفة من البداية.

توقفتُ عند المكتب:

- مرحبًا

- أهلا .. كيف حالك؟ قدامك العافية.

للحظةٍ كنت سأسحب كرسي وأجلس، وأفضي لها عن كلِّ ما حدث؛ لشدّة ما كان سؤالها حنونًا -ولله الحمد- تراجعتُ عن ذلك فأخبرتها ببياناتي.

وها هي أختي قد انتهت، وسبقتني تؤشّرَ من بعيدٍ قائلة: "تستهبلين وينك، ليش تأخرتِ؟" أشّرتُ لها قائلة: "الحين جاية بس تخلص بياناتي، انتظريني" انتهيتُ، ولحقتها؛ فإذ بإحداهن تأخذ أوراقنا لتخبرنا أماكننا فأخبرت أختي مكانها، وأخبرتني أن أنتظر قليلًا "أوه الحمد لله، بتطعم أختي قبلي، وسأرى ما سيحدث معها أخيرًا شيئًا جيدًا سيحصل" قلتُ في نفسي. في دقائق معدودة جاءت حوراء مقبلة تخبرني بالاتِّجاه للعيادة الأماميّة. ذهبتُ ببطءٍ شديد، وتعبر في مخيّلتي مشهد وخزة الإبرة في ذراعي فينقبض وجهي، وصفعتني قائلة: "بلا استهبال هذا خيال، باقي ما طعمتِ" أخذتُ نفسًا. جيّد لم أطعم للآن، لكن الخبر السيئ: بيني، وبين غرفة التطعيم خطوتين.

وقفتُ أمام المدخل أسائلهم: أيهم غرفة " 87 B؟" طلبوا رؤية الورقة، فمدّدتُها لهم مقلوبة، تقوّس حاجبي، وتعجبّتُ من نظراتهم قائلة في نفسي:"وش فيهم لا يكون ما فيه غرفة بهالرقم!" وفعلًا لا توجد غرفة بهذا الرقم المقلوب. أدركتُ ذلك حين أخبروني، وهم يحاولون إخفاء الضحكة فاعتذرتُ، وعدّلتُ الورقة. قالوا: "من هذه الجهة" دلفتُ إلى الغرفةِ، وما بالربعِ من أحدٍ! جمعتُ حواسي في عينيّ مركزّة البحث عن الإبرة الخسيسة كفهدٍ يتهيَّأ للانقضاض على فريسته و"لاني أشوا، ولاني مسفهلّي/ أتهيّا، وأنا ضايعٍ جدًّا" ثم رأيتُ مقعدي أبيضًا مريحًا، تشعر فيه أنك بمكتبٍ مُطلّ على البحر، وكان الشعور جميلًا؛ إلا أن مقعدي مُطلّ على المعدّات الطبيّة.

- "هل تؤلم؟" سألتُ.

- نقول إن شاء الله لا

- يعني تؤلم!! (جهزت وضعيّة النحشة)

- لالا بعضهم ما حسّوا فيها

أقبلت الوخزة، فلا حِرصُ الحريصِ ينجيني، ولا حيلةُ المُحتالِ. تمسكتُ بأطراف المقعد، شددتُ بقوة، وطوَّقتُني بالدعاء: "يا رب اجعلها بردًا وسلامًا عليَّ كما جعلت النار بردًا، وسلامًا على سيّدنا إبراهيم" أغلقتُ عيني كأنِّي في وضع إقلاع.

انتهت الوخزة! لم أشعر بها، ولم أحرك ساكنًا، وما عرفتُ بأني طُعمّت؛ إلا حين عادت لمسامعي أصوات الناس، والزحام، والستارة وهي تُفتح! ولا أعرفُ بيتًا يمثلني هذه اللحظة كبيت أبي العتاهية القائل:

"ولعلَّ ما شدّدتَ سَوفَ يَهونُ"

فالحمدُ لله أولًا، وآخرًا.

سوانح سارة
سوانح سارة