رفيقة الدهشة
كنتُ، وما زلتُ أحارب انطفاء شعور الدهشة، فأتقصى دائمًا أسبابها، أفتشُ عنها في اللا شيء، فكما أن ذروة اللغة في اللامقُول، فذروة الدهشة في اللاشيء.

"إن الميزة الوحيدة اللازمة لكي يصبح الإنسان فيلسوفًا جيدًا هي قدرته على الدهشة."
- جوستاين غاردر من كتابه (عالم صوفي)
أعيشُ بشعور الدهشة، وسرّ الدهشة، وأسباب الدهشة، وملامح الدهشة، ووقع الدهشة على نفسي... فإذا غاب عنّي أحسستُ أن جزءًا منّي ليس فيّ، أو فيما حولي... فكنتُ، وما زلتُ أحارب انطفاء شعور الدهشة، فأتقصى دائمًا أسبابها، أفتشُ عنها في اللا شيء، فكما أن ذروة اللغة في اللامقُول، فذروة الدهشة في اللاشيء، وأحب قدرتي على إيجادها... في ألطاف الله، وعَظمته. في مقدمة طللية، ولوحة جميلة، في تفاصيل مكان، وزاوية هادئة، واختلاف الناس، بعد قراءة كتاب رائع، ومعرفة معلومة جديدة، بعد التأمّل في مخلوقات الله، فأتعجّب، وأُعجب... بعد أن أعيد النظر في أمرٍ ما؛ فأُدرك ما لم أبصره، وفي ذلك يقول شيخ البلاغيين د. محمد أبو موسى: "في كل مرحلة من مراحل عمرك لك عين أخرى ترى شيئًا آخر لم تره عينك في المرات السابقة"
وأحب الأشياء التي لا تفقد ميزتها بالتكرار، فتُصيبني الدهشة معها في كل مرة؛ مثل اكتمال القمر في منتصف الشهر، وشروق الشمس كل صباح، وغروبها كل مساء.
في فترةٍ من فترات حياتي قفزتُ فيها بين حقلٍ، وحقل، فبحثتُ في اللغات، والكتب، والتجارب، وجموع الناس، التقطُ أسباب الدهشة واحدةً تلو الأخرى، وأخذ كل ما أستطيع تخبئته؛ ليكون مؤنسي في وحدتي، وسلوتي عند وحشتي، واقتنصُ الفرص في التزوّد دائمًا بشعور الدهشة، وأعيذ نفسي كما أعاذ د. محمد أبو موسى أحد طلابه فقال: "أعيذكَ بالله من أن تقرأ ما يُدهش ولا تندهش" فأبصرتُ بعدها طريقًا أمشيه، وجعلتُ محركي الأول (الدهشة والسؤال) فلا تعرف الدهشة معي طريق للنهاية.
