فاصل هادئ
أكتبُ هذه التدوينة في سطح منزلي، أحتسي قهوتي السوداء، تحت السماء المرصّعة بالنجوم، والقمر على وشك الاكتمال، كلانا يبرز للآخر في ظلمة الليل.

في بداية الأمر بدت لي فكرة تحدّي التأمل، وهو التدوين لمدة 10 أيّام جيّدة جدًّا؛ لأني مررتُ بمرحلة فتور في الكتابة، وكلّ ما كنتُ أكتبه في الفترة الماضية تكاليف الجامعة، وبضعة أسطر يتيمة في الدفاتر، والملاحظات. وكما قالت دلال العمودي: «أحبّ أن أدفع نفسي لأقصى طاقتها، فأتعرّف عليّ باقتحام الخطر، وهذا تمامًا ما يصنعني دائمًا.»
دارت ببالي بعض الأسئلة قبل أن أخوض التحدّي:
هل سيعود أثره علي إيجابيًا؟
وهل سأتمكن فعلًا من كتابة تدوينة كل يوم؟
والآن بعد مضي ٧ أيّام في مواصلة الكتابة، والتأمّل أراه من أفضل الأشياء التي فعلتها في هذه الفترة.
أكتبُ هذه التدوينة في سطح منزلي، أحتسي قهوتي السوداء، تحت السماء المرصّعة بالنجوم، والقمر على وشك الاكتمال، كلانا يبرز للآخر في ظلمة الليل. أتأمّل حقيقة بأن أبعد إنسان عنك، في قارةٍ أخرى، ومدينةٍ أخرى، في أرضٍ ليست بأرضك، وحيٍّ ليسَ بحيّك، ينظر لنفس السماء التي تنظر إليها. حقيقة مُذهلة! تروق لي معرفة ذلك، وفي ذلك بيتٌ جميل:
أقلّبُ طرفي في السماءِ لعلّهُ
يوافقُ طَرفي طَرفَها.. حين تَنظُر
أتأمل السماء طويلًا، فأشعر برحابتها تنفذ عيني وتحلّ في صدري. غيومها تتحرك بسرعةٍ غير ملحوظة تراها بحركةٍ بطيئة، وإذ بالدقيقة الثانية تراها على الجانب الآخر من السماء، وثم تبدو صافية تمامًا، فتبدأ النجوم بالظهور واحدة تلو الأخرى، وكأنها عند مجيئك شعرت بك، وظهرت تُرحبّ بكل سطوع! ما أجمله من ترحيب في ليلةٍ هادئة؛ تخلو من كل شيء، عَدا سطوعك أيّتُها النجوم.
تجيءُ ببالي أبيات لبدر بن عبد المحسن:
تعالي مِن جسور الَّليل .. تعالي ضيَّ
تعالي في هجير الشَّوق .. تعالي فيَّ
أتأمّل رقة مفردة (تعالي) فأتذكرُ قصيدة لغازي القصيبي يكرّر فيها أحنّ فعل أمر (تعالي)
تعالي دقائقَ، نحلمُ فيها
بنافورةٍ من رذاذ القمر
بأرجوحةٍ عُلّقت في النجوم
بأسطورةٍ من حديث المطر..
بكوخٍ على الغيم جُدرانهُ
ظِلالٌ، وأبوابه من زهر
بخيمة عطرٍ يعبّ الغروب
شذاها، ويمرحُ فيها السحر..
تعالي دقائق، نهرب فيها ..
على زورقٍ مبحرٍ في صور
ثم أتذكّر لأبي فراس الحمداني أبيات قالها، وهو في الأسر:
أيا جارَتا ما أنصَفَ الدَهرُ بَينَنا
تَعالَي أُقاسِمكِ الهُمومَ تَعالَي
تَعالَي تَرَي روحًا لَدَيَّ ضعيفَةً
تَرَدَّدُ في جسمٍ يُعَذّبُ بالِ
11:40 م
حسنًا، يجب أن أوقف ذاكرتي الشعريّة، وإلا سيفوتني تسليم التدوينة في الوقت المحدد.
