كيف كان أثر التنمر على يوُسُف؟
هل استيقظت يا بُني؟
نعم، لكن لا أريد الذهاب إلى المدرسة.
وبصوتٍ يَمْلَؤُه الحُب يسأله والده: ولم؟ ما الذي حدث؟
يجيب يوُسُف أباه والدموع تملأ عينيه البريئتين: يسخر الطلاب من شكلي.. أيمكنني الذهابُ متنكرًا يا أبي؟
وُلد يوُسُف عام ١٤٣٥ (بمتلازمة تريتشر كولينز) التي أدت إلى تشوّهات شديدةٍ في وجهه، لم يأْلُو والِداه جهدًا في البحث عن كل طبيبٍ ماهرٍ يساعدهما على علاجه؛ فقد أجرى إحدى عشر عملية (في سبيل تجميل تلك التشوهات) كان يوُسُف الأصغر لِأُختين توأمين، لاتشبهانه بالشكل وإنما بالطباع.
أتى أولُ يومٍ دراسيٍ ليوُسُف يومُ الأحد لعام ١٤٤٠ هـ بعد قضائه خمس سنواتٍ في البيت (متنكرًا) كان يُدرك بأن اليوم ليس كأي يومٍ آخر، استيقظ يوسف على تحضير أمّه للإفطار، قام بمساعدتها وشرب كأسًا من الحليب كعادته، وتجاهل أمر ذهابه للمدرسة كُليًا.
حان الوقت يا حبيبي، هل جهزت حقيبتك؟
نعم يا أمي.
أتعلم بأنك جميل يا بُني؟
نعم، ولكنّي غريب.
هنا يكمُن جمالك يا بُني في هذه الغرابة.
ذهب إلى المدرسة وشعور الرهبة يتملكه والخوف يعتريه، لا يرفع رأسه عن الأرض، يخشى مواجهة نظراتِ وتعبير الاستغراب على ملامح أقرانه، يسدّ أذنيه وهو في الممرّ يخاف سماع مدى غرابته. حين دخل الفصل واختارَ مقعدًا لهُ، نظروا جميع الطلاب إليه بغرابة وسخروا منه. بإستثناء واحدًا منهم مليئًا باللطافة والسماحة قال ليوُسُف:
أتسمح لي بالجلوس بجانبك؟ فأجابه: نعم، بالطبع. شعر بالسعادة يوُسُف ولم يتوقع حصول ذلك! وحين جلس قال له:
حسنًا، دعنا نتعرف.. ما اسمك؟
يوُسُف، وأنت؟
خالد، إذًا ماذا تحب أن تلعب؟
لعبة التنكر
التنكر؟ ما هذه اللعبة؟
أممم..أن تتنكر بشكل آخر
أوه! تبدو مُمتعة، دعنا نلعبها يومًا
التنكر كانت أفضل لعبة لدى يوُسُف، أن لا يظهر بشكله الحقيقي كان يساعده في مخالطة الناس واللعب مع الأطفال في الحديقة دون أنيضطر لرؤية نظراتهم وسماع كلماتهم. وفي كل صباح قبل أن يذهب كان يقول له والده: لا تنسَ كم أنت قوي يا يوُسُف، وجميل باختلافك، ومتميز بطبعك، يوم سعيد لك! وكان ذلك يعني ليوُسُف الكثير، فرغم استمرار المضايقات إلا أن كلمات أبيه تتبادر لذهنه سريعًا، كان يقضي معظم يومه مع صديقه خالد، فخالد لا يهتم كثيرًا بما يقولونه الناس عن يوُسُف.. فهو جلس معه وتحدث إليه، رأى ما في داخل يوُسُف البريء من جمال. وتذكّر حينها خالد كلام أبيه عندما كان يحاوره عن المظاهر وقال له: "المظهر لا شيء عند جمال الروح يا بُني" وفي كل مرةٍ يعود فيها يوُسُف إلى المنزل يستمد ثقته من عائلته لمواجهة المجتمع مره أخرى، لم يُشعروه يومًا بإنه غريب، لأنَّها الحقيقة(فيوُسُف وأمثاله ليسوا بغرباء) أتعلم ما الغريب؟ أن يخاف الناس منهم..لِما كل هذا؟ لِما نُشعرهم وكأنهم مختلفين عنّا؟ وما الغريب في أن ملامحه تختلف؟ أليست ملامحك تختلف عن الذي بجانبك؟ والذي بجانبك يختلف عن الذي أمامه؟ أن يولد الإنسان بعيب خُلقي لا يعني ذلكأنه غريب أو مريب، العيب يوجد في العقل الذي يعتقد بأن ذلك غريب ومريب.
ومع مرور الأيامِ والشهور.. وكثرة المضايقات.. ودعم عائلته.. ووقوف صديقه خالد معه.. فاز يوُسُف بجائزة أقوى طفلٍ في المدرسة. حيث اتخذه البقيّة قُدوة حسنة، وأراد الجميع أن يُصاحبه حتى الأكبر سنًّا الذين كانوا يحتقرونه. شكر يوُسُف أمّه وأباه على دعمهم المستمر له وإدخاله المدرسة رغم أنها كانت أكبر مخاوفه، إلا إنه خرجَ منها (مُنتصرًا) نعتذر لك يوُسُف، بدوتَ لنا نحن السليمين بأنك مختلف، بينما نَحْنُ من كان مختلفًا وأنت على طبيعتك تماماً أيُّها الطفل البريء.
أرجو حياة سعيدة مليئة بالإنجاز لِكُل أولئك الجميلين كيوُسُف، أنتم شركاؤنا، وقدوتنا، لا تنسوا ذلك أبدًا!
