لغةٌ لا تحتاج إلى ترجمة: صمت الجدة

كان الصمت يعرف جدّتي أكثر ممّا تعرف الأم طفلها، ولا أذكر لكلامها أثر كالأثر الذي يحدثه -صمتها- في نفسي.

كان الصمت يعرف جدّتي أكثر ممّا تعرف الأم طفلها، ولا أذكر لكلامها أثر كالأثر الذي يحدثه -صمتها- في نفسي. أُصغي جيدًا لِما لا تقوله، وألبي نداء صمتها وإن كان بيننا أميالًا. في عام ١٤٣٩ هـ يوم الجمعة الساعة الثالثة مساءً كانت رحلتنا للمدينة المنورة، جدّتي في المقعد الأمامي بجانب أخي، وأخوتي الصغار في المرتبة الأخيرة، وكما أنّي واسطة العقد؛ فقد كنتُ في المرتبة الوسطى مع والدتي، وأختي الكبيرة.

حسرنا عن ذراعنا فشددنا بالحبال على الحقائب فوق السيارة، وكعادتي الغرّاء الدراميّة كان يراودني طيلة الطريق مشهد سقوط الحقائب في الشارع فجفَا النوم جَفْنِيَ. تخيّلتُ مشاهدًا -لا يرغب أحد بمعرفتها- أمامي، ومتُ وحييتُ في الثانية ألف مرة، وظننتُ أن لا مناص فأعادني كفّ أخي الصغير من الخلف لواقعي؛ فاضطررتُ مجاملته لكيلا يتعقّد نفسيًّا؛ بضحكةٍ تُخفي رغبتي الحقيقيّة بقتل مزحاته الثقيلة، وبعد انتصاف الطريق؛ بخوفٍ من أن يُصيب أخي النوم ومواريه، نبّهنا بعضنا بالحرص عليه، وجدّتي في وادٍ غير وادينا بصوتٍ طروب تقول:

«راحوا عساهم ما يروحون في شر

يا هنيّ دارٍ نور عيني سكنها»

فملتُ برأسي طربًا؛ فصفعتني والدتي قائلة: ‏«لا يكون تسمعين أغاني، ووقت الأذان دخل!» آهٍ يا أمي كل الأوقات عندك أذان، وكل الطرب عندي قصيد.

تصمت جدتي، وحين تنطق لا تعبّر سِوى بالبلاغة؛ بلاغةٌ بدويّة فذّة قلّما تجدّها، والحمد لله أني شهدتها؛ فأطرب في كلِّ موقفٍ لاختياراتها المناسبة، واستشهاداتها العذبة. لاذت بالصمت حتى فرغنا من الصلاة، وفي طريقنا إلى الفندق، رأتْ عين إحداهن ثم التفتت، وقالت: ‏«والله يا تسن البحر عندنا» كنايةً عن زرقة عينها. بجانبنا مقهى ستار بكس تطلب أختي طلبها الطويل، ونقول دعاء السفر؛ ‏«Ice americano with two bomb white mocha no water» فترمقها جدّتي بنظرة المغترب عن وطنه، معها قهوتها العربيّة السعوديّة أينما ولّت وجهها، تحتسيها بصمت؛ فسألتها بفضول: «ليش نختار السكوت؟» فقالت: «اسكتي، وتلقين السلامة» عزّ الله يا جدّة!

سوانح سارة
سوانح سارة