يوم من الحجر المنزليِّ

لا أعلم هذا اليوم الكم من الحجر المنزليِّ، تركت العدَّ، أو هو من تركني، لا أدري! أحدنا ترك يد الآخر. في بداية الأزمة وتفشِّي الداء، أصابني وسواسٌ طوال الوقت حتَّى شعرتُ بصداعٍ حادٍّ، فثار بي الهلع ظنًّا بأنَّ "كورونا" تمكَّن منِّي، وفكَّرت سريعًا عزل نفسي، والهرب بعيدًا عن أحبَّتي. وتبيّن -أخيرًا- بأنَّه ليس سِوى صداعٍ للجيوب الأنفيَّة، ومن كان يدري بأنِّي سأحمدُ الله على ألمٍ، كنتُ أتذمَّر منه وأشكو.
أفتقد تلك الأيَّام (العاديَّة) التي أستيقظ فيها على لا شيء، على لا خبر. للتوِّ أعرف نعمة "اللا شيء" وكثيرةٌ هي النعم، التي عرفنا قيمتها -مؤخَّرًا- ونعوذ بك يا الله من زوالها. وأعرف يا الله بأنَّ في كلِّ أمرٍ، خيرًا لا نعرفه، حكمةٌ بالغةٌ نجهلها، أعرف يقينًا. لا شيء يحدث عبثًا. إنِّي أحاول جاهدةً التمسُّك بأيِّ ظنٍّ يُنقذني، فلا تردَّني خائبةً يا الله، وعاملنا بما أنتَ أهلٌ له.
أحاول قضاء يومي بصورةٍ عاديَّةٍ، كما كنت أفعل قبل كلِّ هذا، أرتشفُ القهوة مع عائلتي، نتناول أطراف الحديث، أتنزَّه في صفحاتِ كتابٍ، أُنجز ما على عاتقي من تكاليف، ونبحث عمَّا نستطيع فعله علَّنا نتسلَّى بعيدًا عن كلِّ ما يحدث خارج البيت، وأعتقد بظنِّي أنَّها محاولةٌ للعيش. لكنَّ الخارج لم يكن يومًا في الخارج فقط. يعيش بالداخل، ويستريح بالخارج. بمجرَّد أن أفتح الهاتف لأتصفَّح تُباغتني عدد الحالات المصابة، يُصادفني خبر موت الطبيب الذي اكتشف الداء. حسنًا، أُحرِّك أصبعي بهدوءٍ كمن يحاول الخروج من حقل ألغامٍ. أتركه، وأمضي. أُشاهد التلفاز، يمشي شريط الأخبار، وتفوح منه رائحة الجثث فأُغلقه. أذهب لإكمال الرواية، وصلت الفصل السادس، فإذ بعيني تقع على سطرٍ يقول فيه الكاتب: "غرفتي معزولةٌ" يا إلهي، وصل الخبر لبطل روايتي، لا بُدَّ إخباره بضرورة الابتعاد، يجب أن تكون بيننا مسافةٌ، أرمي الكتاب بعيدًا، لنكون في أمانٍ. أظنُّ أنِّي بدأت أهلوس؛ أقول في نفسي. يجب أن أخلد إلى النوم.
استيقظت على اتِّصال صديقتي -مشكورةً- لئلَّا تفوتني المحاضرة، حسنًا، كلُّ شيءٍ على ما يُرام. لا يوجد خبرٌ. تقول دكتورتي: "كنَّا في نعمةٍ عظيمةٍ، ولا زلنا الحمد لله" نعم، بالرغم من كلِّ ما يحدث حولنا من هلعٍ وحزنٍ، نحن بخيرٍ. ما زلنا على قيد الحياة، وأهلنا وأحبابنا كذلك. لنا بيتٌ يُؤوينا، وسقفٌ يسترنا، وملبسٌ يكسينا، وقوتٌ يكفينا.
